نشر الأحكام القضائية غير النهائية في الإعلام

نشر الأحكام القضائية غير النهائية في الإعلام

القاضي عبدالستار بيرقدار

2018-01-08 10:01:00

إن أكثر القضايا التي دائماً ما تكون محل جدل ونقاش، طبيعة العلاقة بين القضاء والإعلام، فالعلاقة بين القضاء والإعلام علاقة تكاملية، وكل منهما سلطة مستقلة ويعتمد كل منهما على ضمانات دستورية، حيث إن الإعلام يعتمد حرية التعبير التي كفلها الدستور، والقضاء يمارس مهامه في إطار من الضمانات القضائية التي تكفل تحقيق محاكمة عادلة، ومن أهم الضمانات وأخطرها استقلال القضاء في أحكامه وقراراته.

وإذا تكلمنا عن استقلال القضاء في أحكامه، فإن من أعظم ما يهدد هذا الاستقلال، التناول الإعلامي لأحكام القضاء غير النهائية، والتعليق عليها بالنقد، وهي ما تزال محل نظر القضاء، مما يشكل تأثيراً غير مقبولٍ على استقلال القضاء.

وخلال الأسابيع الماضية برز على السطح جدلٌ كبير حول أحكام قضائية تم نشرها رغم عدم اكتسابها الصفة القطعية، وتناولها الإعلام بالنقد، وخاض في وقائعها الخائضون، ووصل الحدّ بذلك إلى النيل من القضاء واتهامه بأنواع التهم المستوجبة للمحاكمة ممن صدرت عنهم.

وإذا ما نظرنا إلى أن الكثير من الخائضين في أحكام القضاء إنما هم من غير المتخصصين، أو من المتخصصين الذين لم يعرفوا عن تفاصيل القضية سوى ما نشره الإعلام ، أو من بعض الأطراف ذوي المصلحة الذين يتناولون تلك الأحكام بما يخدم مصالحهم فيها، فلنا أن نتصور كيف سيكون مستوى هذا التناول والتعليق على أحكام القضاء، وأن ندرك كيف يتم تجييش المجتمع لتشكيل رأيٍ عامٍ حول قضيةٍ من القضايا، مما يعتبر تهديداً خطيراً لاستقلال القضاة ناظري تلك القضية.

وإنه ما من دولةٍ ذات نظامٍ وسيادة، إلا وترعى في المقام الأول ضمانة استقلال ونزاهة وحياد قضائها، وتسنّ الأنظمة الكفيلة بتحقيق هذه الغاية، متضمنة كافة وسائل وأدوات الردع والزجر لكل من يتجاوز هذه الخطوط الحمراء، محاولاً التشويش على وقائع المحاكمات والتحقيقات، أو الضغط على قناعات القضاة، أو التعريض بأحكام القضاء واستقلاله. لقد كفل دستور جمهورية العراق ، وقانون المرافعات المدنية وأصول المحاكمات الجزائية، لكل أطراف الدعوى القضائية ومن لهم صفة ومصلحة فيها، ممارسة حقوقهم المشروعة في الاعتراض على الأحكام، وأحاط النظام القضائي العراقي أحكامه بعشرات الضمانات القضائية التي تكفل لكل المتحاكمين عدالةً على أحسن صورها. مما يعتبر معه تجاوز هذه الضمانات إلى ممارساتٍ غير مقبولة تشكل خرقاً لاستقلال القضاء، جريمةً تستوجب ضرورة التدخل العاجل لوقفها ، وضمان عدم تكرارها.