الموقف القانوني من العنف الأسري

الموقف القانوني من العنف الأسري

القاضي ناصر عمران

2017-11-26 09:01:00

تعتبر الأسرة المؤسسة الاجتماعية الناتجة عن الارتباط المقدس بين الرجل والمرأة برابطة الزواج والتي تهدف الى انشاء الحياة المشتركة وديمومة النسل ويرتبط اطرافها برابطة المودة والرحمة ويقوم كيانها على اساس الارتباط الوشائجي برابطة العاطفة المحددة بالشخوص والمكان.

 فثمة ارتباط تكميلي بين الاسرة كأفراد بحيث يظهر ذلك من خلال المساهمة في بناء المجتمع وبالمنتج من هذه العلاقة وهم الأولاد ومهما كان شكل الاسرة كبيرا ضمن مساحة التعايش المكاني او صغيرا فان هناك علاقات اجتماعية ونمط من السلوك مصحوبا بهذه العلاقات ايجابياً او سلبياً، والعنف احد هذه الانماط السلوكية والذي هو استخدام القوة المادية او المعنوية لإلحاق الاذى بآخر استخداما غير مشروع ويسمى هذا الاعتداء الناتج عن العلاقات الاجتماعية داخل الاسرة بالعنف الاسري او العائلي، ويرتبط الكثير منه في مجتمعاتنا بالتنشئة الاجتماعية التي تعتبر استخدام العنف من قبل صاحب السلطة العائلية او الولاية الجبرية او العمرية مشرعناً وسلوكا تربويا غايته ادخال الاولاد ضمن سقوف الرؤية السلطوية للعائلة المنطلقة من رؤى اجتماعية مستندة الى الاعراف والتقاليد الاجتماعية او الرؤية الدينية وهو ما تماهى معه القانون وترجمه في نص المادة (41 ) من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل والذي نص على اباحة استخدام العنف فجاء بالنص (لا جريمة اذا وقع الفعل استعمال لحق مقرر بمقتضى القانون ويعتبر استعمالا للحق :

1. تأديب الزوج زوجته وتأديب الاباء والمعلمين ومن في حكمهما الاولاد القصر في حدود ما هو مقرر شرعا أو قانونا او عرفا، فاستعمال العنف ضد الاولاد القاصرين وقبله الزوجة استعمال لحق حيث اعتبره المشرع العراقي مباحا كونه حقاً للزوج والاب والمعلم و(من في حكمهما) وهذه العبارة تدخل الكثير من الفئات الاخرى في ممارسة هذا الحق،كي تقوم باستعمال العنف طريقا للتأديب ولا يعتبر فعله مجرماً وفق ما يحدده العرف او الشرع او القانون ولنا ان نتصور ما تحمله الرؤية القانونية او الشرعية والاكثر العرفية من نوع العنف المستخدم والداخل ضمن إطار التأديب كحق.

اما تجريم الاعتداء الواقع على الأولاد من قبل ذويهم فلم يتم التطرق إليه من قبل المشرع الجنائي بشكل مستقل وإنما يرجع بذلك الى المبادئ العامة في تجريم الفعل فقد منح القانون الحماية الجنائية لحياة الانسان وسلامة بدنه وبضمنهم القاصرون في الباب الاول بفصول ثلاثة كان الفصل الاول يختص بتجريم القتل العمد ونص في المواد القانونية (405،406،407،409 ) والفصل الثاني نص على تجريم الضرب المفضي الى الموت والقتل الخطأ في المواد القانونية (410،411 ) وفي الفصل الثالث جرم الجرح والضرب والايذاء العمد في المواد القانونية (412،413، 415، 416 ) من القانون والذي تناول الايذاء والجرح والضرب الذي احدث عاهة مستديمة بقصد عمدي او دون قصد عمدي والايذاء الشديد والايذاء الخفيف والايذاء والاعتداء الناتج عن اهمال أور عونة أو عدم انتباه أو مراعاة للأنظمة والقوانين.

وهذه المواد القانونية الاكثر انطباقا على فعل الاعتداء على القاصرين كما ان القانون خص القاصر بالحماية الجنائية في الجرائم المخلة بالأخلاق العامة (الاغتصاب واللواط وهتك العرض ) حيث نص على ان من وقعت عليه الجريمة ولم يبلغ الثامنة عشرة من عمره او كان الجاني من اقارب المجنى عليه الى الدرجة الثالثة او كان متوليا تربيته او ملاحظته او ممن له سلطة عليه، ظرفا مشددا يرفع سقف العقوبة في الجناية الى الاعدام اذا واقع الجاني انثى بدون رضاها او لاط بذكر او انثى بدون رضاه او رضاها حسب المادة (393 /1 /2/أ/ب) من قانون العقوبات وكذلك نص في المادة (394) من القانون على معاقبة من واقع انثى في غير حالة زواج برضاها او لا ط بذكر او انثى برضاه او رضاها اذا كان من وقعت عليه الجريمة اتم الخامسة عشر من عمره ولم يتم الثامنة عشرة سنة وجرمت المواد القانونية (396،397) الاعتداء على من لم يتم الثامنة عشرة سنة بالقوة او بالتهديد او الحيلة او بأي وجه من أوجه عدم الرضا على عرض شخص ذكر او أنثى او شرع في ذلك.  

والملاحظ ان المشرع أحاط القاصر بحماية كبيرة في الجرائم الجنسية كما ان قانون رعاية الأحداث رقم 76 لسنة 1983 والذي يهدف الى الحد من ظاهرة جنوح الاحداث من خلال وقاية الحدث من الجنوح وتكييفه اجتماعيا وفق القيم والقواعد الاخلاقية للمجتمع تناول ضمانات مهمة للقاصر قبل حالة الجنوح وبعدها وبرعاية لاحقة لكنه لم يتضمن اي ضمانة قانونية تشكل حماية جنائية للقاصر بمواجهة اعتداء اولياء الامور ونعتقد ان المشرع في القوانين العقابية قانون العقوبات الصادر عام 1969 وقانون الاحداث الصادر عام 1983 لم يدر في خلده ان اولياء الامور وفي باب ممارسة التربية والتهذيب والتأديب سيتخلون عن العاطفة الإلهية التي تشدهم الى اولادهم او يشذ بعضهم عنها فلم يتوقع المشرع انه سيكون احرص مهما نص في تشريعاته على الاطفال من امهاتهم او آبائهم والامر بحاجة الى تشريع يعالج الحالة وقائيا اولا وجنائيا ثانياً وبالتأكيد هناك ثالثا ورابعا وقد تنبه المشرع العراقي لذلك عبر تقديم مشروع قانون الحماية من العنف الاسري الا ان هذا المشروع لم يزل يراوح بمكانه في مجلس النواب العراقي وكلنا امل ان يسعى المجلس لإقرار هذا القانون.