حيرة قاضٍ

حيرة قاضٍ

فتحي الجواري

2017-09-12 12:26:00

ذكرتني الأيام العشرة الأوائل من شهر ذي الحجة لهذا العام واقتراب عيد الأضحى بواقعة مرت بي في احدى سنوات عملي قاضيا للتحقيق، فقد كانت أيام عيد الأضحى قد اقتربت، حين عرضت علي أوراق تحقيقية تضمنت القبض على شيخ ثمانيني، تنفيذا لأمر بالقبض أصدره قاضي تحقيق (كربلاء)، على وفق احكام الفقرة (2) من المادة (382) من قانون العقوبات رقم (111) لسنة 1969.

وتنص تلك الفقرة على أن (يعاقب بالعقوبة ذاتها – وهي الحبس مدة لا تزيد على سنة او بغرامة لا تزيد على مائة دينار – أي من الوالدين او الجدين اخذ بنفسه او بواسطة غيره ولده الصغير او ولد ولده الصغير ممن حكم له بحضانته او حفظه ولو كان ذلك بغير حيلة او إكراه).

وقد دونت اقوال ذلك الشيخ من قبل المحقق فبين ان حفيده قد حضر لزيارتهم بعلم والدته (المطلقة) ورغب الجد ان تستمر الزيارة لأيام عيد الأضحى، إلا انهم فوجئوا بأمر القبض. وبين انه رجل شيخ تجاوز الثمانين من عمره ومصاب بعدة أمراض خطيرة من بينها عجز القلب والكلية، وقدم للمحقق نسخا من تقارير طبية صادرة عن جهات رسمية تؤيد إصابته بتلك الأمراض وطلب اخلاء سبيله بكفالة وتعهد ان يحضر بنفسه أمام قاضي تحقيق كربلاء.

المشكلة التي جعلتني في حيرة اني (ملزم) بمقتضى الفقرة (أ) من المادة (101) من قانون اصول المحاكمات الجزائية رقم (83) لسنة 1971، ان اقرر توقيف ذلك الشيخ، وان ارسله مخفورا الى القاضي الذي اصدر ذلك الامر، فهذا النص يلزمني بذلك إذ جاء فيه: (إذا نفذ الأمر بالقبض خارج منطقة اختصاص القاضي الذي اصدره وكان الامر خاليا من جواز اطلاق سراح المتهم بتعهد او بكفالة ... فعلى القاضي توقيفه وارساله مخفورا الى القاضي الذي أصدر ذلك الأمر)، وتلاحظون مدى الالزام في عبارة (فعلى القاضي ...)، وتفاقمت حيرتي إزاء ذلك الشيخ المريض بأمراض خطيرة قد تودي بحياته ان زج في التوقيف، خاصة ونحن نقبل على عطلة رسمية طويلة نسبيا ، إذ لن يتسن تسفيره الى كربلاء خلالها ، وحتى لو سفر فلن يتسنى عرضه على القاضي الذي اصدر الامر بالقبض بحقه ليقرر مصيره بسبب تلك العطلة وتعطل المحاكم.

إني أتساءل – كما تساءلت يومها - الم يكن بإمكان القاضي الذي اصدر ذلك الامر ان يقرن امره بجواز اطلاق سراح المتهم بتعهد بكفالة، خاصة ونحن إزاء جنحة تتعلق بشأن أسري، ويبدو من النص العقابي المذكور ان الطفل اخذ من قبل المتهم (بغير حيلة او إكراه)، وحرص ذلك الشيخ ان يمضي حفيده ايام العيد بينهم. او لم يكن بإمكان القاضي ان يصدر امرا بالتفتيش عن ذلك الطفل في مسكن جده لضبطه وتسليمه لمن حكم له بحضانته او حفظه، ويقرر عندها استقدام ذلك الجد بورقة تكليف بالحضور لكي يجيب عن التهمة التي أسندت له.

إن هذه القضية قد تركت ألما في نفسي لأني كنت عاجزا عن ايجاد حل قانوني وانساني لها يرضي ضميري ودون ان اخالف نصا قانونيا آمرا. وزاد في ألمي حين اتضح لي بشكل واضح حرص غريم ذلك الشيخ على الانتقام منه حين قام بتنفيذ الامر بالقبض قبيل عيد الأضحى لإدراكه ان غريمه سيزج به ايام ذلك العيد في التوقيف حتماً، وربما أيام اخرى بعدها، مع علمه بالحالة الصحية الحرجة لذلك الشيخ التي ربما ستودي بحياته وهو رهن التوقيف.

فهكذا تتجلى صور الحقد الانساني والانتقام بالاستعانة بالقانون، مستغلين غفلة القاضي، او عدم تمتعه ببعد إنساني أو حسن تصرف أو إدراك واع للمسألة المعروضة عليه وأبعادها، ودوافعها، وطبيعتها.


العدد الاخير من صحيفة القضاء
بحث في الموقع